الشيخ محمد علي التسخيري
233
محاضرات في علوم القرآن
تأويله ، والإنسان في حالة غروره وإن لم يكن خاضعا ولكنه غير مؤمن ؛ لأنّ الخضوع لا يكون إلّا من المؤمن وهو لا يكون مغترّا . وبعبارة أخرى : إنّ المتشابه لا يكون بطبيعته موردا لاغترار العقل وإنّما قد يزيغ الإنسان فيغترّ بإدراكه لكنهه . ومن هنا جاء تمحيص القلوب بالمتشابه . فإذا صدّق الإنسان به واستسلم له فهو قد ثبت على الإيمان وإذا اغترّ به وحاول معرفة تأويله فقد زاغ قلبه . وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم حيث قال : وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا فهو شيء تمحّص به القلوب . فمن كان في قلبه مرض أو زيغ اتّبعه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله . الثاني : ما ذكره الشيخ محمّد عبده أيضا ، أنّ وجود المتشابه في القرآن كان حافزا لعقل المؤمن إلى النظر كيلا يضعف فيموت ، فإنّ السهل الجليّ جدّا لا عمل للعقل فيه ، والعقل أغنى القوى الإنسانية التي يجب تربيتها والدين أعزّ شيء على الإنسان فإذا لم يجد العقل مجالا للبحث في الدين يموت عامل العقل فيه وإذا مات فيه لا يكون حيّا بغيره . « 1 » وقد ناقشه العلّامة الطباطبائي : أن القرآن الكريم اهتمّ بالعقل وتربيته اهتماما بالغا . فأمر باستعمال العقل في الآيات الآفاقية والأنفسية إجمالا في بعض الموارد ، كما فصّل ذلك في موارد أخرى كالأمر بالتدبّر في خلق السماوات والأرض والجبال والشجر والدوابّ والإنسان واختلاف الألسنة والألوان . كما حثّ على التفكير والسير في الأرض والنظر في أحوال الماضين ، وحرّض العقل والفكر و
--> ( 1 ) رشيد رضا ، تفسير المنار ، ج 3 ، ص 70 .